لا للعقاب الجسدي ولا للعنف اللفظي

إن الله تعالى حبانا بثقافة متقدمة تنظر دائما إلى الأمام، تحوي كنوزا تحتاج منا أن ننقب عنها وأن نفيد منها، فلدينا من علماء التربية من نادى بما تنادي به التربية الحديث، ولكننا – للأسف– لا نلتفت إليهم؛ لأن زامر الحي لا يُطرب! التربية الحديثة تنادي أن يُعامل المتعلم معاملة تربوية إنسانية، بعيدة عن العنف بشقيه: الجسدي واللفظي، فلا ضرب ولا توجيه ألفاظ جارحة، ولا سخرية ولا همز ولا لمز؛ والغاية من وراء ذلك أن ينشأ المتعلم واثقا من قدراته، عزيز النفس، شامخ الأنف، لا يقبل الذل ولا يرضى بالإهانة، وينشأ المتعلم كذلك صادقا لا يتطرق إليه الكذب، ولا يعرف الغش ولا يفكر في الخداع، وعلى الجُملة ينشأ المتعلم شخصا سوِيًّا. إن استخدام العنف بنوعية ينشئ شخصا كذوبا منافقا مخادعا، لا يعرف إلا الغش، ولا يقضي وقته إلا في تدبير المكائد لغيره، ومن ثم فلا يمكن أن يُعتمد عليه في بناء حضارة أو إنشاء نهضة، والمجتمع الذي تقوم التربية فيه على هذا العنف سيبقى مجتمعا متخلفا، وهذا ما أشار إليه ابن خلدون في الفصل الأربعين من مقدمته، فاقرأ معي ماذا قال:

 

الرشيد يضع خطة لتعليم ولده

لله درك يارشيد!

كنتَ حاكما تُحسن السياسة الداخلية كما تحسن السياسة الخارجية؛ فكانت الدولة الإسلامية عزيزة الجانب، موفورة القوة، يحترمها العدو قبل الصديق.

لله درك يارشيد!

آمنت بأن التعليم هو سرُّ نجاح الفرد، وتقدُّم المجتمع، فجعلته على رأس الأولويات، وعرفت أن رأس الدولة هو من يقودها في مراقي الحضارة والمدنية؛ فاهتممت بإعداده إعدادا يُمكِّنه من مهارات القيادة، فها أنت تدفع ولدك إلى مُؤدِّبه، ولا تترك له الأمر يخبط فيه خبط عشواء، وإنما تضع له المنهج، وهو منهج تربوي يحتاج إليه كل معلم وكل طالب علم في كل عصر ومصر. دعونا نَرَ ملامح هذا المنهج من خلال وصية الرشيد لمؤدب ولده كما جاءت في مقدمة ابن خلدون.