التعليم والتعلم في السنة قضايا وحلول 3

 

لقد زكى الله تعالى منطق النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال تعالى :
 " وما ينطق عن الهوى "
 ولقد جعله الله تعالى الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة في مجالات الحياة ، وأمرنا باتباعه ، وجعل اتباعه وطاعته اتباعا لله تعالى وطاعة له ، وسببا للفوز بمحبة الله ورضوانه  ، فقال تعالى في سورة الأحزاب :
  لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً .
 وقال تعالى في سورة آل عمران :
 قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ .
ومن هنا يسعدنا أن نعرض  في الصفحات الآتية بعض المشكلات التربوية المعاصرة التي وُجد حلها وعلاجها في السنة النبوية المطهرة .
 
 
 
 المشكلة الأولى
في أثناء اندماج المعلم وطلابه في معالجة موضوع ما ، إذ بطالب يقطع سير الدرس ، ويسأل سؤالا قد يكون بعيدا عن مجال الدرس وموضوعه ، فماذا يفعل المعلم ؟
 هل يزجر الطالب ويعنفه ؟
 هل يجيب عن سؤاله من فوره ؟
 هل يطلب من الطالب الجلوس ويعده بالجواب في وقت لاحق ؟
 هل يتجاهل الطالب تماما ويمضي في درسه كأن شيئا لم يحدث ؟
 لِنرَ كيف حلّت السنة النبوية هذه المشكلة ، ولْنتأمّل كذلك توجيهات السنة النبوية  في الجانب التربوي التعليمي
 عن أبي هريرة – رضي الله عنه :
  بينما النبي - صلى الله عليه وسلم – يحدث القوم جاءه أعرابي فقال :
  متى الساعة ؟ 
 فمضى الرسول يحدِّث
 فقال بعض القوم : سمع ما قال ، فَكَرِه ما قال
 وقال بعضهم : بل لم يسمع .
 حتى إذا قضى حديثه قال :
 أين أراه السائل عن الساعة ؟ قال : ها أنا يا رسول الله
 قال : فإذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة .
 قال : كيف إضاعتها ؟
 قال : إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة 
  .......................................................................
ماذا نلاحظ في ضوء هذا الحديث الشريف ؟
 يمكن ملاحظة الأمور الآتية :
 1- دخل الأعرابي المسجد والرسول يحدِّث أصحابه ، وسأل سؤالا يبدو أنه لا علاقة له بموضوع الحديث ، ولكن الرسول - صلى الله عليه وسلم – لم يشأ أن يقطع  حبل التحصيل فتجاهل السؤال والسائل مؤقتا ، ومضى في حديثه .
 2- موقف الرسول - صلى الله عليه وسلم – من سؤال الأعرابي وتجاهله له مؤقتا أثار في نفوس أصحابه بعض التساؤلات ، فبعضهم استنتج أن الرسول سمع السؤال ولكنه لم يرض عنه ، وعدّه تدخلا فجًّا ، وسلوكا مكروها فأعرض عن السؤال وعن السائل ، وبعضهم ذهب إلى أن الرسول لم يسمع السؤال فربما كان منشغلا بالدرس فلم يلتفت إلى الأعرابي وسؤاله .
 هذان الموقفان من الصحابة يشيران بقوة أمر مهم يجب أن يلتفت إليه كل معلم  ألا وهو أن المعلم محط أنظار المتعلمين ، يفسرون كل ما يقوم به من قول أو فعل ومن  أجل ذلك ينبغي أن يكون المعلم يقظا حذرا ، يدرك تماما كل ما يصدر عنه ، وإن حدث وجرى أمر يثير التساؤلات في نفوس المتعلمين فعليه أن يبادر ويبسط الأمر واضحا  جليا ؛ حتى تستقر الحالة النفسية  للمتعلمين ، وحتى لا يفسر كل واحد منهم الأمر تفسيرا مُجانبا للصواب وفق هواه .
 3- لمّا قضى الرسول - صلى الله عليه وسلم – حديثه سأل عن الأعرابي ، وهذا السؤال دلّ فيما دل على عناية الرسول بأمر الأعرابي واهتمامه بشخصه ، فأعطاه قدر الاحترام الذي ينبغي أن يشعر به المتعلم من قِبل معلمه
 4- أجاب الرسول - صلى الله عليه وسلم – عن السؤال مباشرة ولم يقل للأعرابي أعد عليّ سؤالك ، ولعل ذلك يشير إلى أن المعلم ينبغي أن يكون على وعي كامل بكل
 
سؤال يطرحه طلابه ، ويستحسن في هذه الحالة أن يدون على السبورة ما يذكره بالسؤال الذي تجاهله مؤقتا أو أجله ؛ حتى يتمكن من العودة إليه في الوقت المناسب
 5- لم يشر الرسول - صلى الله عليه وسلم –  إلى خطأ السؤال ؛ رعاية للأعرابي وحفظا لكرامته أمام الحاضرين الكرام ، فالأعرابي سأل " متى الساعة " ومن الأمور المعلومة شرعا أن الساعة لا يعلم زمانها إلا الله وحده يقول تعالى :
 " يسألونك عن الساعة أيان مرساها . فيم أنت من ذكراها  . إلى ربك منتهاها إنما أنت منذر من يخشاها  " النازعات
 ويقول تعالى " إن الله عنده علم الساعة "  لقمان 34
ويقول تعالى : " يسألونك عن الساعة أيان مرساها ،  قل إنما علمها عند ربي ، لا يجليها لوقتها إلا هو  " الأعراف 187
 فالرسول - صلى الله عليه وسلم –  لم يشرح للأعرابي خطأ سؤاله ،  وإنما  وجه السؤال وجهته الصحيحة فذكر علامة من علامات الساعة : فإذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة "
 6- عاد الأعرابي يستفسر " كيف إضاعتها ؟ "
 ولعل هذا يشير إلى أن الأعرابي لم يشعر بالحرج بسبب حسن تعامل الرسول - صلى الله عليه وسلم –  معه ، وهذا شجعه على أن يطرح سؤالا آخر متعلقا بالأول ، وهذا  يعلمنا نحن المعلمين أن نشجع المتعلم على أن يطرح ما يعتمل في صدره من أسئلة وأفكار ، ولا ينبغي لمعلم أن يسخر من سؤال طرحه طالب ، ولا ينبغي كذلك أن يسمح للطلاب أن يسخروا من سؤال زميلهم .
 
والخلاصة التي تستنتج من هذا الحديث الشريف يمكن إجمالها فيما يأتي :
 
1- على المعلم أن يتقبل طلابه ، ويُحسن معاملتهم ، ويفسح صدره لأسئلة المتعلمين .
 2- على المعلم أن يزيل كل لبس من نفوس طلابه من فوره ، ولا يؤجل ذلك أو يهمله ؛ حتى لا يصنع كل طالب لنفسه تفسيرا ربما يغير نظرة الاحترام إلى المعلم 
 3- يتقبل المعلم كل أسئلة المتعلمين ويضعها في سياقها المناسب ، و يجيب عنها في الوقت المناسب وبالقدر المناسب .
 
صلى الله عليك يا رسول الله يا معلم الناس الخير