التعليم والتعلم في السنة الرسول معلما 2

 

الرسول صلى الله عليه وسلم معلما
 
يقول تعالى في سورة الجمعة :
هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ .
فالآية الكريمة حددت مهام  الرسول صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أمور :
1-    تلاوة الآيات ، تلاوة تدبر وتبصر تدفع للعمل الصالح ، وتنأى بصاحبها عن كل سوء .
2-     التزكية : والتزكية تعني تطهير النفوس من أدران الشرك ومساوئ الأخلاق ، وملأ النفس توحيدا وإخلاصا وحبا وسلاما ، ويبدو أن مصطلح التزكية في لغة القرآن الكريم إنما يعني " التربية " في مصطلحنا المعاصر
3-    التعليم : ولعل مما يوحي به هذا التعبير هو الانطلاق في آفاق العلم التي تخدم الإنسانية وتحقق لها السعادة والأمن
ولئن كان وصف الرسول صلى الله عليه وسلم  بصفة المعلم في القرآن الكريم  إنما جاء من خلال بيان مهمته ، فإن السنة الشريفة قد صرحت بهذه الصفة بوضوح   ،  وفي هذا شرف عظيم لكل ممتهن هذه المهنة العظيمة ، يدفعه إلى المزيد من الإخلاص والمزيد من العطاء والإبداع .
ومن ذلك ما جاء في صحيح مسلم عن معاوية بن الحكم السُّلَمي :
" فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي قَالَ إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ ..."
 
‏فالصحابي رضي الله عنه قال عن النبي " معلما " ، ولعل هذا يدل على وعي كامل ومبكر بمهمة المعلم ، وما ينبغي له أن يتبع في معالجة سلوكات طلابه ،
والرسول صلى الله عليه وسلم هو القدوة الحسنة فقد عالج تصرف الصحابي حين شمّت عاطسا وهو متلبس بالصلاة بطريقة تربوية فيها احترام لإنسانية الإنسان ،
وتجنب تحقيره أو السخرية منه ، بل  ولم يعبس في وجهه ، وهذا الذي يفهم من قول الصحابي :
" فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي "
ومعنى الفعل ( كهر ) كما جاء في المعجم الوسيط :
كهر فلانا : قهره أو نهاه ، واستقبله بوجه عابس تهاونا به
فلتكن هذه المقولة الحكيمة إنما هي دستور لكل معلم في تعامله مع طلابه :
فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي "
ونقول لكل معلم في ضوء الدستور النبوي :
لا للعصا ، ولا للضرب ، ولا للنهر والسب ، ولا للعبوس  ، كن أبا حانيا ، وطبيبا نطاسيا ، ومربيا حكيما .
* * *
حين سألت نساء النبي  النفقة ، فخيرهن بين أمرين : اختيار الله ورسوله والدار الآخرة ، أو تسريحهن سراحا جميلا
فَبَدَأَ  صلى الله عليه وسلم   بِعَائِشَةَ فَقَالَ يَا عَائِشَةُ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكِ أَمْرًا أُحِبُّ أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ قَالَتْ وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ
اللَّهِ فَتَلَا عَلَيْهَا الْآيَةَ قَالَتْ أَفِيكَ يَا رَسُولَ  اللَّهِ أَسْتَشِيرُ أَبَوَيَّ بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ وَأَسْأَلُكَ أَنْ لَا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ قَالَ لَا
 
تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلَّا أَخْبَرْتُهَا إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا وَلَا مُتَعَنِّتًا وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا "
في ضوء هذا الحديث الشريف يمكن القول إن المعلم ينبغي عليه أن يبتعد عن التعنت فلا يوقع طلابه في المشقة والشدة والحَرَج ، ولا يُلزمهم ما يصعب عليهم أداؤه ،
ويسعى ما وسعه السعي نحو التيسير ، ويتخذ لكل ذلك الوسائل الممكنة فيبسط المادة العلمية بطريقة شائقة ، ويستعين بكل الوسائط التي تحول المادة الصعبة الجافة
إلى مادة مستساغة مقبولة ، وليكن الدستور الثاني للمعلم قول النبي صلى الله عليهوسلم :
إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا وَلَا مُتَعَنِّتًا وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا *
وجاء في سنن أبي داود :
225 حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ الصَّوَّافُ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ عَنْ بَكْرِ بْنِ خُنَيْسٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ خَرَجَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ بَعْضِ حُجَرِهِ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِحَلْقَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَدْعُونَ اللَّهَ وَالْأُخْرَى يَتَعَلَّمُونَ
وَيُعَلِّمُونَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلٌّ عَلَى خَيْرٍ هَؤُلَاءِ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَدْعُونَ اللَّهَ فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ وَهَؤُلَاءِ يَتَعَلَّمُونَ وَإِنَّمَا
بُعِثْتُ مُعَلِّمًا فَجَلَسَ مَعَهُمْ .
في هذا الحديث الشريف شرف كبير لكل معلم ، وعليه أن يتذكر وهو يؤدي دوره العظيم في قاعة الصف أو خارجه أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعثه الله معلما
 
وعبَّر الحديث عن هذه المهمة الراقية بأسلوب القصر ، وفوق ذلك فقد جلس النبي مع القوم الذين يتعلمون ويعلمون ، ولعل في هذا إشارة كبيرة إلى أن لا يقتصر دور المعلم على التعليم ، بل ينبغي أن يكون المعلم معلما ومتعلما في الوقت نفسه  فيتعلم من طلابه ، وينبغي ألا يجد في ذلك حرجا أو غضاضة ، وينبغي أن يعد نفسه طالب علم مادام فيه نفس يتردد ، حتى يتمكن من متابعة كل جديد ، وحتى يتمكن من أداء مهمته بدرجة الإتقان المطلوبة ؛ حتى يظفر بمحبة الله تعالى ، والرسول المعلم صلى الله عليهوسلم يقول :
" إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقته "
وليكن الدستور الثالث للمعلم قول النبي  :
" ... وَهَؤُلَاءِ يَتَعَلَّمُونَ وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا فَجَلَسَ مَعَهُمْ "