اللحن في اللغة جريمة

 

صان أسلافنا اللغة العربية رسما ومنطقا ، والدليل على ذلك أنهم وضعوا نطقا زمانية ومكانية للاحتجاج ؛ حفاظا على نقاء هذه اللغة من الشوائب ، وترصدوا كذلك للحن يقاومونه ، وأخذوا على عاتقهم تنقية اللغة من كل شوائب الخطأ والغلط ، ونظرة واحدة إلى ما حفلت به المكتبة العربية من كتب تسعى للتصحيح اللغوية كفيلة بأن ترينا الجهد الجبار الذي بذله علماؤنا الغيورون على هذه اللغة ، ومن هذه الكتب ما يأتي :  
v   إصلاح المنطق لابن السَّكَّيت
v   درة الغواص في أوهام الخواص
v   رسالة السيوطي في لحن العامة
v   ما تلحن فيه العامة
v   تثقيف اللسان وتلقيح الجنان لابن مكي الصقلي 
واستمرت الجهود عبر العصور ، وأنشئت المجامع اللغوية التي تبذل جهودا مشكورة في الحفاظ على اللغة العربية قوية مرنة تستوعب العصر ومستجداته
لقد نظر أسلافنا إلى اللحن على أنه عدو لدود ينبغي محاربته ، والمقصود باللحن هو الخطأ في الإعراب ومخالفة وجه الصواب في النحو ، وقد بدأ اللحن نادرا وقليلا ثم أخذ يزداد في عصر الفتوحات حين دخل الناس من غير العرب في دين الله تعالى ، وقد حملوا معهم لغاتهم وما فيها من أنظمة صوتية وتركيبية .  
ولقد عُرف اللحن في عصر النبوة ، وقد أورد ابن جني في الخصائص أن رجلا لحن في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " أرشدوا أخاكم فقد ضل " فهذا الخبر إنما يدل على أن اللحن في هذا الوقت المبكر كان يعد لونا من ألوان الضلال ، وكان يُعالج بالإرشاد والتعليم  ولا يُتهاون في شأنه ، ولا يتراخى في علاجه .
ولقد أورد الأستاذ سعيد الأفغاني في كتبه " تاريخ النحو " " أن عمر - رضي الله عنه  - مرّ على قوم يسيئون الرمي فقرّعهم فقالوا : " إنا قوم متعلمين " فأعرض غاضبا وقال : والله لخطؤكم في لسانكم أشدُّ عليّ من خطئكم في رميكم  "          
وورد كتاب إلى عمر – رضي الله عنه – كتبه غلام أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه
في أوله " من أبو موسى الأشعري " فكتب أمير المؤمنين – رضي الله عنه – لأبي موسى بضرب كاتبه سوطا ؛ وذلك عقابا له على الخطأ في قوله " من أبو موسى " ، والأفصح هنا أن يجر الاسم بالياء ؛ لأنه من الأسماء الخمسة فيقول من أبي موسى .
وقد استمر الحكام وأولياء الأمور ينكرون اللحن أشد الإنكار فهذا عبد الملك بن مروان يقول : " اللحن في الكلام أقبح من الجدري في الوجه " وذلك لأنه يشوه اللغة العرية الجميلة .
وورد في مجالس ثعلب عن ابن قادم قال : " كتب فلان إلى المأمون كتابا فيه " وهذا المال مالا من حاله كذا ..." فكتب إليه غاضبا مستنكرا : " أتكاتبني بكاتب يلحن في كلامه ؟!"
فقد رفض الخليفة أن يأتيه كتاب فيه لحن !
بذل علماؤنا – جزاهم الله خيرا – جهودا مباركة لتنقية اللغة من الشوائب ، وللمحافظة على قوانينها وقواعدها ، ومما يروى في أسباب وضع علم النحو أن أعرابيا قدم المدينة فقال :
" من يُقرئني شيئا مما نزل على محمد ؟
فاقرأه رجل من سورة التوبة قوله تعالى :
أقرأه الرجل ( أن الله برئ من المشركين ورسولِه ) بكسر اللام في " رسوله " فكأنه عطف " رسوله " على " المشركين "
فقال الأعرابي : إن يكن الله برئ من رسوله فأنا أبرأ منه !
فأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن لا يقرأ القرآن إلا عالم باللغة .