الإدارة بالابتسام

 

الإدارة بالابتسام      ... الإدارة بالقدوة
ما أسعد الإنسان حين يعمل تحت مظلة مدير يؤمن بالابتسامة أسلوبا للإدارة !
وما أسعده كذلك حين يقدم له مديره القدوة الحسنة والأسوة الطيبة في كل أمر ومع كل نهي !
إن المدير الناجح هو الذي يُحسن إلى مرؤوسيه ، ويشعرهم بأن إنسانيتهم مصونة ، وكرامتهم محفوظة ، ولا يخاطب فيهم إلا هذه المعاني الإنسانية الرفيعة ، والمدير الناجح أيضا هو الذي يكون أول من يطبق القرارات والتوصيات ، ويكون هو كذلك هو أول من يقف عند الحدود والمنهيات .
لقد أحسن سعادة الدكتور حنيف حسن وزير التربية والتعليم حين أعلن في كلمات من ذهب ، روت عطش العاملين في الميدان التربوي ، وذلك حين قال :
" ابتسموا في وجوه الموظفين والمعلمين ستجدون منهم قدرات هائلة في العطاء والإبداع "
هذه هي الإدارة بالابتسام التي تفجر طاقات الإبداع ، وتدفع كل موظف إلى أن يقبل على عمله بشهية مفتوحة ، ويسعى ما وسعه السعي في تجويده وهو يشعر بسعادة غامرة تملأ أركان نفسه  ، هذه الابتسامة تفعل الأعاجيب فتزيل عنه الشعور بالتوتر والضيق ،  وتبعد عنه شبح التبرم وعدم الرضا .
هذه هي الإدارة بالابتسام التي تشعر المعلم أنه موضع تقدير واحترام في زمن غُبن المعلم حقه ، وشعر بأنه في قاع المجتمع بدلا من أن يكون في قمته وأعلاه !      إن المعلم لا يحتاج إلا لمثل هذه الابتسامة التي تمسح عنه عناء ما يلاقي وهو يؤدي رسالته السامية في تربية الإنسان ، وإعداده ليتعامل مع الحياة تعاملا صحيحا وليكون لبنة صالحة في صرح هذا الوطن .
هذه هي الإدارة بالابتسام التي تتعامل مع الطالب على أنه في طور النشأة والتكوين والبناء ، فتزرع فيه التفاؤل ، وتغرس فيه حب العلم ، وتطلق طاقاته الإبداعية ؛ لأنه يشعر بالدفء والمودة ، لا يرى للعصا أثرا في مدرسته ، فلا قهر ولا ضغط ، ولا يستمع إلى كلمات جارحة ، تصيبه في مقتل ، وما أكثر الكلمات التي قتلت موهبة وثابة ! وما أكثر الكلمات التي أطفأت توهجا مبدعا خلاقا ! إن الطالب الذي يُعامل بالبشاشة وطلاقة الوجه يشعر بأنه بمنزلة الابن  عند معلميه وإدارته ، فينشأ إنسانا سويا بعيدا عن العقد النفسية والانفعالات العصبية، وتتكون لديه صورة إيجابية عن المدرسة ، فيجد نفسه منجذبا إليها ، مقبلا على الدرس والتحصيل بشهية مفتوحة ورغبة ملحة .  
ولأن الابتسامة تفعل الأعاجيب اهتم بها ديننا العظيم غاية الاهتمام ، وجعلها وصية غالية من وصاياه فقال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم :
" تبسمك في وجه أخيك لك صدقة "
‏وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :  ‏ ‏كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ وَإِنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ أَنْ ‏ ‏تَلْقَى أَخَاكَبِوَجْهٍ ‏ ‏طَلْقٍ ‏ ‏وَأَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ أَخِيكَ " رواه الترمذي
والوجه الطلق ‏يَعْنِي تَلْقَاهُ مُنْبَسِطَ الْوَجْهِ مُتَهَلِّلَهُ ، لا تعبس ، ولا تُعرض ولا تزور .
وقد ورد الابتسام أيضا في القرآن الكريم فقد وصف  الله تعالى به نبيه سليمان عليه السلام فقال تعالى :
" فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلهَا "
جاء في تفسير القرطبي
" وَالْمَعْنَى تَبَسَّمَ مِقْدَار الضَّحِك ; لِأَنَّ الضَّحِك يَسْتَغْرِق التَّبَسُّم , وَالتَّبَسُّم دُون الضَّحِك وَهُوَ أَوَّله . يُقَال : بَسَمَ ( بِالْفَتْحِ ) يَبْسِم بَسْمًا فَهُوَ بَاسِم وَابْتَسَمَ وَتَبَسَّمَ , وَالْمَبْسِم الثَّغْر مِثْل الْمَجْلِس مِنْ جَلَسَ يَجْلِس وَرَجُل مِبْسَام وَبَسَّام كَثِير التَّبَسُّم , فَالتَّبَسُّم اِبْتِدَاء الضَّحِك . وَالضَّحِك عِبَارَة عَنْ الِابْتِدَاء وَالِانْتِهَاء إِلَّا أَنَّ الضَّحِك يَقْتَضِي مَزِيدًا عَلَى التَّبَسُّم , فَإِذَا زَادَ وَلَمْ يَضْبِط الْإِنْسَان نَفْسه قِيلَ قَهْقَهَ . وَالتَّبَسُّم ضَحِك الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ السَّلَام فِي غَالِب أَمْرهمْ . وَفِي الصَّحِيح عَنْ جَابِر بْن سَمُرَة وَقِيلَ لَهُ : أَكُنْت تُجَالِس النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; قَالَ : نَعَمْ كَثِيرًا ; كَانَ لَا يَقُوم مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْح - أَوْ الْغَدَاة - حَتَّى تَطْلُع الشَّمْس فَإِذَا طَلَعَتْ قَامَ , وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ وَيَأْخُذُونَ فِي أَمْر الْجَاهِلِيَّة فَيَضْحَكُونَ وَيَبْتَسِم " .
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يضحك حتى تبدو نواجذه
‏‏والنواجذ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة جَمْع نَاجِذٍوَهِيَ الْأَضْرَاسُ ، قَالَ فِي النِّهَايَة وَالْمُرَاد الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ مَاكَانَ يَبْلُغُ بِهِالضَّحِكَإِلَى أَنْ تَبْدُوَ آخِرُأَضْرَاسِهِ ،  كَيْف وَقَدْ جَاءَ فِي صِفَةضَحْكَةالتَّبَسُّمِ .
وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْأَوَاخِر فَالْوَجْهُ فِيهِ أَنْيُرَادَ مُبَالَغَة مِثْله فِيضَحْكَةمِنْ غَيْر أَنْيُرَادَ ظُهُورُ نَوَاجِذِهِ فِيالضَّحِكوَهُوَ أَقْيَسُالْقَوْلَيْنِ لِاشْتِهَارِ النَّوَاجِذِ بِأَوَاخِر الأسنان "
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يلقى أصحابه إلا مبتسما فقد ورد في المسند عن جرير : ‏ ‏مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُنْذُ أَسْلَمْتُ وَلَا رَآنِي قَطُّإِلَّاتَبَسَّمَ "
وكان الصحابة يقتدون بالنبي صلى الله عليه وسلم فهذا ابن مسعود يروي حديثا وفي أثنائه يضحك
‏" ‏فَقَالَ أَلَا تَسْأَلُونِيمِمَّاأَضْحَكُ؟  فَقَالُوا مِمَّتَضْحَكُفَقَالَ هَكَذَاضَحِكَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّىاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "
إن النهي إنما ينصب على المبالغة في الضحك والانغماس فيه ، فيُحول حياة صاحبه كلها إلى هزل .
وَكَانَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مِمَّنْ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْحُزْن فَكَانَ لَا يَضْحَك .
وَكَانَ اِبْن سِيرِينَ يَضْحَك وَيَحْتَجّ عَلَى الْحَسَن وَيَقُول : اللَّه أَضْحَك وَأَبْكَى . وَكَانَ الصَّحَابَة يَضْحَكُونَ ، إِلَّا أَنَّ الْإِكْثَار مِنْهُ وَملازَمَته حَتَّى يَغْلِب عَلَى صَاحِبه مَذْمُوم مَنْهِيّ عَنْهُ , وَهُوَ مِنْ فِعْل السُّفَهَاء وَالْبَطَّالَة .
وَفِي الْخَبَر : ( إن كَثْرَته تُمِيت الْقَلْب )
أردت من هذه الجولة في كتاب ربنا – عز وجل - وسنة نبينا- صلى الله عليه وسلم-  وأخبار السلف ، أن أبين أن ما تنادي به فنون الإدارة الحديثة إنما قد أمرنا به ديننا العظيم وضرب لنا فيه الرسول صلى الله عليه وسلم القدوة الطيبة ، وعاش به سلف هذه الأمة .
 
 إن القيادة بالابتسام لا تعني التسيب ، ولا تعني البعد عن الانضباط بضوابط العمل ، وإنما تعني مراعاة هذا البعد الإنساني بين المدير ومرؤوسيه ، وبين المعلم وطلابه ؛ فتتوثق العلائق ، وتقوى الروابط ، وينطلق كلٌ إلى أداء عمله متقنا ما وسعه الإتقان مجودا ما استطاع إلى ذلك سبيلا .
أما الإدارة بالقدوة فعمدتنا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال عنه ربه عز وجل :
" لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " 
والمعلم هو أولى الناس أن يحرص على أن يعلم بالقدوة ، وأن يعي جيدا قول أبي الأسود الدؤلي واضع علم النحو وأول من نقط المصحف المتوفي 69هـ :
لا تَنهَ عَن خُلُقٍ وَتَأتيَ مِثلَهُ       عارٌ عَلَيكَ إِذا فَعَلتُ عَظيمُ
ابدأ بِنَفسِكَ وَانَهها عَن غِيِّها       فَإِذا انتَهَت عَنهُ فَأَنتَ حَكيمُ
فَهُناكَ يُقبَل ما وَعَظتَ وَيُقتَدى       بِالعِلمِ مِنكَ وَيَنفَعُ التَعليمُ
فالمعلم ينبغي أن يحرص الحرص كله أن يقدم لأبنائه القدوة الصالحة في كل ما يأتي وفي كل ما يدع ، فليغرس فيهم قيمة الوقت وحسن إدارته واستثماره فلا يتأخر عن موعد حصته ، ويخطط لشغل الوقت كله في عمل نافع ، فالطلاب صغيرهم وكبيرهم يشعرون بكل ما يفعله المعلم ، وينتقدون تصرفاته فيما بينهم
ولقد ضرب لنا سعادة الدكتور وزير التربية والتعليم مثلا للتعليم بالقدوة وللإدارة بالقدوة حين أشار إلى إنجاز بطاقة ممغنطة ليوقع حضورا وانصرافا وما فعله سعادته إنما يدعو إلى الحرص على وقت العمل ، وعدم إضاعته وتبديده ، فالوقت هو الثروة التي يهدرها كثير من الناس ، متناسين أن في حضارتنا العظيمة مقولات عظيمة تقول :
الوقت من ذهب
الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك
ولعل لنا عودة للحديث عن الوقت وحسن إدارته .