الليل الأبيض

 


 

هكذا فجأة! وأنا في طريقي إلى العمل وقت تنفس الصبح أو بُعيْده،  وجدتني أفكر في الليل !

 ولماذا أفكر في الليل ؟ ما الذي جعل الليل يخطر في البال؟ لست أدري !

ولكن خطرت في بالي آيات كثيرة تناولت الليل، ومنها قوله تعالى:

{ والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس }

ألا ما أجمل التعبير القرآني! إنه تعبير معجز!

  فقلت فليكن الحديث عن الليل في ضوء القرآن الكريم، وإن تيسرت الأمور نتناول الليل في السنة النبوية المطهرة، ثم نعيش أخيرا مع  ليل الشعراء: ليل امرئ القيس وليل المتنبي وليل شوقي وغيرهم من الشعراء .

ولتكن البداية بالقرآن الكريم المعجزة الباقية ما بقي الدهر والذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " ولا يشبع منه العلماء ، ولا ‏ ‏يخلق ‏ ‏عن كثرة الرد ولاتنقضي عجائبه " الترمذي

لقد ورد الليل في القرآن الكريم تسعين مرة ( 90 ) منها ثلاث مرات ورد مجموعا" ليالي " وورد مرة واحدة مضافا للضمير في قوله تعالى :

وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا

ولعل الفعل " أغطش " لم يذكر في القرآن الكريم إلا هذه المرة ، وهو هنا يذكر في معرض التقريع والتوبيخ  لمن لا يرون قدرة الله تعالى في خلقهم وفي كل ما يحيط بهم من كون الله الواسع الشاهد على عظمته تعالى وقدرته .

ولكن ما معنى أغطش ؟

تقول معجمات اللغة إن هذا الفعل يأتي لازما، ويأتي متعديا، فتقول أغطش الليلُ أي أظلم، وتقول أغطش الله الليلَ أي جعله مظلما، يقول الراغب في مفرداته:" وأصله من الأغطش وهو الذي في عينه شبه عمش، ومنه قيل فلاة غَطْشَى لا يُهْتَدَى فيها"  

وهكذا جعل الله الليل مظلما، وجعل فيه البصر لا يقدر على الرؤية الكاملة، ومن هنا يقال لمن يريد أن يقطع الطريق ليلا( النهار له عينان )؛ لأن البصر يكون قادرا على الرؤية الواضحة في النهار؛ لأن ربنا سبحانه جعل النهار ميدانا للكسب والكدح في الحياة. 

ويعرض الفخر الرازي لسؤال قد يثيره الفعل ( أغطش ) فيقول: " ثم ههنا سؤال وهو أن الليل اسم لزمان الظلمة الحاصلة بسبب غروب الشمس، فقوله: { وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا } يرجع معناه إلى أنه جعل المظلم مظلماً، وهو بعيد،  والجواب: معناه أن الظلمة الحاصلة في ذلك الزمان إنما حصلت بتدبير الله وتقديره،  وحيئنذ لا يبقى الإشكال"

فالليل إذن آية من آيات الله تعالى ؛ ولذلك أقسم به ربنا في غير موضع ، وسمى به سورة من سور القرآن الكريم بدأها سبحانه وتعالى بالقسم :

وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ

وقد جعل الله تعالى الليل في مقابل النهار أو الضحى أو الصبح لينشط العقل إلى التفكير والموازنة ؛ ليخرج بإيمان قوي بقدرة الله تعالى وعظمته

وقد جعل الله الليل مظلما، يغشاه السكون، وتزين سماءه النجوم، وتسكن فيه الحركة، ويركن فيه الإنسان إلى الراحة، وكل ذلك نعمة كبرى؛ فالإنسان في حاجة ماسة إليها جسما وعقلا وروحا ؛ لتتجدد حياته، وليستعيد نشاطه، ولتزكو ملكاته، ومن هنا يمكن القول : إن الإنسان لا يستطيع أن يعيش في هذا الكون بدون تعاقب الليل والنهار، فلن تستقيم له حياة، ولن يعتدل له مزاج ، ولن يصبح إنسانا منتجا ومفكرا ومبدعا إلا إذا جن عليه الليل، وأضاء له النهار .

يقول تعالى في سورة القصص :  

 قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ  *  قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ  *  وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  *

  السرمد هو الدائم الذي لا ينقطع ، والنسبة إليه السرمدي  

ومنه قول طرفة:

لعمرُك ما أمري عليّ بغُمَّةٍ

   

نهاري ولا ليلي عليّ بسَرْمدِ

وذكر الزمخشري : " والسرمد: الدائم المتصل، من السرد وهو المتابعة. ومنه قولهم في الأشهر الحرم: ثلاثة سردٍ، وواحد فرد، والميم مزيدة. ووزنه فعمل. ونظيره. دلامص، من الدلاص "

ومن الملاحظ أن آية الليل ختمت بقوله تعالى: " أفلا تسمعون" وآية النهار ختمت بقوله تعالى : " أفلا تبصرون " ولتفسير الحكمة من وراء ذلك نقرأ ما جاء في تفسير التحرير والتنوير : " وناسب السمع دليل فرض سرمدة الليل؛ لأن الليل لو كان دائماً لم تكن للناس رؤية، فإن رؤية الأشياء مشروطة بانتشار شيء من النور على سطح الجسم المرئي، فالظلمة الخالصة لا تُرى فيها المرئيات. ولذلك جيء في جانب فرض دوام الليل بالإنكار على عدم سماعهم، وجيء في جانب فرض دوام النهار بالإنكار على عدم إبصارهم."

وفي االآية الثالثة والسبعين لون من البديع هو اللف والنشر ، فقد ذكرت المتعدد وهو الليل والنهار، ثم ذكرت ما لكلٍّ من غير تعيين اعتمادا على أن المتلقي يستطيع أن يرد إلى كل مذكور ما يليق به ، فالليل هو محل السكن ، والنهار هو ميدان السعي

ولعل في اللف والنشر دليلا على أن اللغة العربية لغة تُعلِّم التفكير، فالقارئ لا بد أن يعمل عقله وأن يحلل الجملة ليربط بين كل معنى واللفظ المتعلق به! 

معروف أن الليل لا يكون إلا مظلما حالكا، ولكن في نظر الإنسان الذي يجري على سنن الفطرة هناك ألوان لليل :

فالليل الأسود هو ليل العصاة الذين انحرفوا عن الفطرة ، وأخذوا يقضون ليلهم في صحبة الشيطان، إنه الليل الذي يُنزل فيه ربنا عقابه بالشيطان وأتباعه وفي ذلك يقول الله تعالى في سورة الحاقة :

{ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ  *  فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ  * }

أما الليل الأبيض فهو ليل عباد الله الصالحين، الليل الأبيض الذي يعمر بكل عمل صالح ، ففيه مجالس العلم، وفيه يخلد الطالب إلى كتبه ودرسه يقرأ ويفكر ويبدع .

الليل الأبيض الذي لا يقضيه المؤمن يغط في نوم عميق ، إنما يحيي جزءا منه في عبادة عظيمة تخلص فيها النية خلوصا كاملا لله رب العالمين، عبادة التهجد التي لا ينبغي لمسلم أن يحرم نفسه من خيرها وفضلها، إن جنب المسلم بينه وبين فراشه جفوة ، فما إن ينام حتى يستيقظ نشيطا؛ ليقف بين يدي ربه مناجيا مخبتا ضارعا، وبخاصة في الوقت المبارك في الثلث الأخير من الليل حيث تتجلى رحمة الله الغامرة الذي ينزل إلى السماء الدنيا نزولا يليق بجلاله وكماله ويقول ألا من مستغفر فأغفر له ألا من تائب فأتوب عليه ، ولقد عبرت الآية الكريمة عن عظيم الأجر أبلغ تعبير حين قال تعالى :

تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ *    (17) السجدة

الليل الأبيض هو ذلك الليل الذي أنزل فيه القرآن الكريم لينير الدنيا كلها بنور الحق والخير والهدى، يقول تعالى :

حـمۤ  *  وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ  *  إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ سورة الدخان

إنها الليلة المباركة التي جعلها الله تعالى خيرا من ألف شهر

الليل الأبيض هو ذلك الليل الذي أخذ موسى عليه السلام لميقات ربه، حيث كلم ربه تكليما يقول تعالى في الأعراف :

 وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّمِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ     ( 142)

الليل الأبيض هو ذلك الليل الذي حمل رسولنا الحبيب محمدا صلى الله عليه وسلم في رحلة مباركة إلى بيت المقدس ، ومن ثم رحلة سماوية في موكب نوراني إلى السموات العلى حيث سدرة المنتهى

سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ *

الليل الأبيض هو ذلك الليل الذي نجى الله فيه موسى والذين آمنوا معه، وأهلك فرعون وجنوده :

{ فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ  * { وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ  *}

سورة لدخان(23 -24)

 هنيئا لأصحاب الليل الأبيض ، وتعسا لأصحاب الليل الأسود والليل الأحمر !

 

التعليقات

They sent two kick butt maids that created our location appear impressive.

Also visit my website ...