الرشيد يضع خطة لتعليم ولده

لله درك يارشيد!

كنتَ حاكما تُحسن السياسة الداخلية كما تحسن السياسة الخارجية؛ فكانت الدولة الإسلامية عزيزة الجانب، موفورة القوة، يحترمها العدو قبل الصديق.

لله درك يارشيد!

آمنت بأن التعليم هو سرُّ نجاح الفرد، وتقدُّم المجتمع، فجعلته على رأس الأولويات، وعرفت أن رأس الدولة هو من يقودها في مراقي الحضارة والمدنية؛ فاهتممت بإعداده إعدادا يُمكِّنه من مهارات القيادة، فها أنت تدفع ولدك إلى مُؤدِّبه، ولا تترك له الأمر يخبط فيه خبط عشواء، وإنما تضع له المنهج، وهو منهج تربوي يحتاج إليه كل معلم وكل طالب علم في كل عصر ومصر. دعونا نَرَ ملامح هذا المنهج من خلال وصية الرشيد لمؤدب ولده كما جاءت في مقدمة ابن خلدون.       

 

 يقول ابن خلدون:" ومن أحسن مذاهب التعليم، ما تقدم به الرشيد لمعلم ولده. قال خلف الأحمر: بعث إليَّ الرشيد في تأديب ولده محمد الأمين فقال:

"يا أحمر إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه، فصيَّر يدك عليه مبسوطة وطاعته لك واجبة، فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين.

أقرئه القرآن، وعَلِّمه الأخبار، ورَوِّه الأشعار ، وعلِّمه السنن، وبصِّره بمواقع الكلام وبَدئه، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته، وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم، إذا دخلوا عليه، ورفع مجالس القواد إذا حضروا مجلسه.

ولا تَمرَّنَّ بك ساعة إلا وأنت مُغتنِمٌ فائدة تفيده إياها من غير أن تُحزنه؛ فتميت ذهنه. ولا تُمعِن في مسامحته،
فيستحلي الفراغ ويألفه. وقوِّمه ما استطعت بالقرب والمُلاينة، فإنْ أباهما فعليك بالشدة والغلظة" انتهى

نلاحظ على هذه الوصية عدة أمور 

الأمر الأول: أنها جعلت للمعلم سلطانا على المتعلم ، وإذا لم يشعر المتعلم بهذا السلطان فلن يطيع معلمه ولن يستجيب لما يكلفه به من أعمال ومشاريع تحقق له التعلم المنشود، وهو سلطان مشروع باللوائح والقوانين التي تحدد طبيعة العلاقات داخل المؤسسة التعليمية. 

الأمر الثاني: وضع له السياسة التي يتبعها في إدارة سلوك المتعلم فالأصل في هذه السياسة أن يعامله بالرفق والملاينة وأن يكون له كالوالد ، ولكن مع شيء من الحزم حتى لا يفلت الزمام ، وهناك مواقف تتطلب الشدة وإظهار الغضب حتى يعود المتعلم إلى جادة الصواب وهذا ما تنادي به التربية الحديثة.
الأمر الثالث:تدريبه على الحياة الاجتماعية التي سيكون فيها في مستقبل الأيام فيحترم الناس وينزلهم منازلهم ، وهكذا كما نقول اليوم: التربية تعد الطالب للحياة
الأمر الرابع: ينبغي أن يعلمه الجدية ، ولكن دون أن يكون كئيبا عابسا ، بل يضحك في أوقات الضحك ، ويلعب في أوقات اللعب، ويجد ويكدح في أوقات الجد والكدح ، ولعل الرشيد  فطن إلى ما يُنادى به الآن من تحقيق التعلم الممتع، فإذا هيَّأ المعلم لطلابه سُبُل الاستمتاع بالتعلم، فسوف يجني الثمرة المرغوب فيها ، بل ستنطلق  قوى المتعلم الإبداعية، وتظهر المواهب المدفونة ، ولعل هذا يؤخذ من قول الرشيد ( من غير أن تُحزنه؛ فتميت ذهنه)

رحمك الله أيها الرشيد