اضربوا المعلم

هل مازال بيت أمير الشعراء يعيش في وجدان أبنائنا من طلاب العلم؟
قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا
فشوقي لا يدعو فقط إلى احترام المعلم، وإنما يذهب أبعد من ذلك، إنه يدعو إلى تبجيله، والتبجيل هو الحب ممزوج بالتعظيم، ينبغي على طالب العلم إذن أن يُعظِّم معلّمه تعظيما وافيا، تعظيما حقيقيا نابعا من إحساس صادق بفضله الكبير ومكانته السامية، ويزيد هذه الدعوة إلى تعظيم المعلم، يزيدها عمقا حين يضفي على المعلم شيئا من القداسة، وشيئا من المهابة، وذلك حين يشبهه بالرسول! والرسول يزكّي النفوس ويُطهّرها، وينمّي العقول، وينشر العلم، ويدعو إلى مكارم الأخلاق، وهذه هي رسالة المعلم.

هل مازال بيت أمير الشعراء يعيش في وجدان أبنائنا من طلاب العلم؟
قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا
فشوقي لا يدعو فقط إلى احترام المعلم، وإنما يذهب أبعد من ذلك، إنه يدعو إلى تبجيله، والتبجيل هو الحب ممزوج بالتعظيم، ينبغي على طالب العلم إذن أن يُعظِّم معلّمه تعظيما وافيا، تعظيما حقيقيا نابعا من إحساس صادق بفضله الكبير ومكانته السامية، ويزيد هذه الدعوة إلى تعظيم المعلم، يزيدها عمقا حين يضفي على المعلم شيئا من القداسة، وشيئا من المهابة، وذلك حين يشبهه بالرسول! والرسول يزكّي النفوس ويُطهّرها، وينمّي العقول، وينشر العلم، ويدعو إلى مكارم الأخلاق، وهذه هي رسالة المعلم.
آمنت حضارتنا العظيمة عبر العصور بهذا الدور التربوي للمعلم فأطلقت عليه اسم ( المُؤدِّب )
ولم يكن يعمل في هذه المهنة الخطيرة والعظيمة سوى أصحاب العلم الراسخ، والفكر الثاقب، والأخلاق الحسنة، فهذا الإمام الكسائي وهو إمام مدرسة الكوفة النحوية، وهو إمام في قراءة القرآن، كان يؤدب ولدي هارون الرشيد، وهذا ابن السِّكِّيت صاحب كتاب إصلاح المنطق يؤدب ابني المتوكل، ومن قبلهما أبو الأسود الدؤلي كان يؤدب أولاد زياد بن أبيه، وهناك الكثير غيرهم في رَكْبِ المعلمين أو قل المؤدبين.
ولقد ذكرت هذه الأعلام نموذجا لمكانة المعلم، ودليلا على تبجيله من ولي الأمر مها علا مركزه في المجتمع، ودليلا أيضا على أن طلاب العلم من عِلية القوم كانوا ينظرون لمؤدبيهم نظرة احترام وتعظيم وعِرفان، فكان ولدا هارون الرشيد يتسابقان لإكرام مؤدبهما الإمام الكسائي، بل كان الخليفة نفسه يقربه ويجله ويرفع قدره.
ولابن السِّكِّيت قصة مع المعتز بن المتوكل، ففي اللقاء الأول مع تلميذه، قال له: يابني بأي شيء يحب الأمير أن يبتدئ من العلوم؟
قال: بالانصراف!
قال ابن السِّكِّيت: فأقوم؟
قال: أنا أخف نهوضا منك!
وبادر المعتز قائما فعثر بسراويله؛ فسقط، فالتفت خجلا، فقال ابن السِّكِّيت:
يموت الفتى من عثرة بلسانه
فعثرته بالقول تذهب رأسه
وليس يموت المرء من عثرة الرجل
وعثرته بالرجل تبرا على مهل

فلما كان من الغد، علم ولي الأمر( الخليفة ) بما جرى، فاعتذر للمعلم ( ابن السِّكِّيت ) وأمر له بخمسين ألف درهم !
إن المعلم في هذه الواقعة رجل عِلم وتربية، أدار الموقف التعليمي إدارة تربوية، فقد أحسن خطاب الطالب ( يابني ) وأعطاه حرية اختيار المادة العلمية؛ لكي تكون البداية بشيء يحبه الطالب ويأنس إليه، فيُحسن التفاعل معه تفاعلا يُؤَدّي إلى تَعلُّم فعّال.
ولكن الطالب أساء الأدب، ورغب عن الدرس، وأشار للمعلم بأن ينصرف! ولكن الطالب حين تعثر وسقط، شعر بخطئه، فنظر إلى معلمه نظرة خجل!
ظلّ المعلم محتفظا برزانته وهدوئه، وردّ عليه ردّا حكيما، اتخذ فيه قراراه بعدم الاستمرار، ومن ثَمَّ ظلّ المعلم كريما بعيدا عن الخطأ، ولعلنا في هذا السياق نذكر وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تغضب " وكأنها مُوجَّهة إلى المعلم.
ولمّا علم ولي الأمر بالواقعة سارع ليزيل عن المعلم ما قد يكون أصابه من غبارها؛ ليبقى المعلم في مكانته السامقة احتراما ومهابة.
أذكر كل ما سبق في سياق التعليق على مشهد صوّره الطلاب ونشروه على الشبكة: مشهد طالب يعتدي على معلمه ضربا!
ماذا فعل ولي الأمر في هذا الاعتداء؟
أجرى تحقيقا وأصدر حكمه بمعاقبة المعلم بتوجيه إنذار له، وبمنح الطالب إجازة من المدرسة لخمسة أيام!
ولي الأمر تناول القضية كأنه قاض في ساحة المحكمة!
ونسي أن المسألة مسألة تربوية، والميدان التربوي يختلف عن ساحة القضاء!
إن العقاب الجسدي ممنوع في المدارس، وحين يخطئ معلم ويستخدم هذا العقاب تقوم الدنيا ولا تقعد، تندد بالجريمة النكراء، وتوقع العقوبة في حدها الأعلى!
والحقيقة أن المعلم الذي يلجأ إلى العقاب الجسدي هو معلم يعلن عن فشله في إدارة سلوك المتعلم.
وحين يكون الضارب هو الطالب، والمضروب هو المعلم، فيًنظر للمسألة نظرة أخرى!
نعم إن حوادث الضرب قليلة، أو قل شاذة، ولكن ينبغي أن نحفظ للمعلم كرامته، ونقدم له الدعم والمساندة؛ ليتمكن من أداء رسالته التربوية، ونقول ينبغي أن نضرب المعلم مثلا للعطاء الفياض فهو الشمعة ...، ينبغي أن نضرب المعلم مثلا للأخلاق الكريمة والصفات النبيلة، ينبغي أن نضرب المعلم مثلا للكرامة المحفوظة والعزة المصونة، ينبغي أن يشعر الطالب بكل ذلك حتى يحترم معلمه، ولا يتجرأ عليه، وحتى لا تتكرر مثل هذه الحوادث المؤسفة، وحتى تظل العلاقة طيبة بين المعلم والطالب.