لماذا أخفق المتعلمون في الكتابة؟

الكتابة واحدة من مهارات اللغة التي ينبغي أن يتقنها المتعلم؛ ليتمكن من التواصل مع الآخرين تواصلا فاعلا، وليكون قادرا على التعبير عن نفسه وعمّا يجول في خواطره.
وللكتابة كذلك تسهم في صقل مهارات المتعلِّم القرائية، وما يرتبط بها من مهارات الفهم المتعددة، كما أن الكتابة تساعد المتعلم على بناء ثقته بنفسه، والثقة بالنفس أبرز مفاتيح النجاح في الحياة.
والكتابة هي المرآة التي تعكس بصدق كلَّ ما اكتسبه المتعلم من علوم اللغة وخبراتها، فيظهر فيها مدى إفادته من النصوص الأدبية على تنوعها، ويطبق فيها ما درسه من قواعد اللغة النحوية والصرفية والإملائية والبلاغية وغيرها.
ومن هنا تأتي أهمية العناية بدروس الكتابة؛ لأن المُلاحظ في الميدان أن الكتابة تكاد تكون مهملة فلا تعطى حقها من التعليم والتعلم، ولا تأخذ حظها من التدريب المستمر، ويعدُّها بعض المعلمين عبئا ثقيلا؛ بسبب أعباء التصحيح وتحديد الأخطاء ومتابعة تصويب هذه الأخطاء، ومن هنا يلجأ هذه الفئة من المعلمين إلى تكليف المتعلم كتابة المطلوب في منزله، ثم يأتي به جاهزا؛ ليضع عليه المعلم إشارة بالقلم الأحمر تشير إلى أنه تابع الموضوع! أو يكتب شوهد أو يكتب عبارة تشجيعية عشوائية!
أكتب هذا من وحي موقف من المواقف التعليمية في غرفة الصف السادس الصفية، حيث كانت الحصة مخصصة للكتابة في موضوع عن حب الوطن، وقد أعد المتعلمون مقالاتهم في منازلهم، وأخذ المعلم يُخرج واحدا واحدا يقرأ موضوعه على أسماع زملائه، ثم يُقوِّم المتعلمون موضوع زميلهم في مناقاشات متعجِّلة معتمدة على المسموع!
واستمعت إلى موضوعات فوق مستوى المتعلمين بمراحل كثيرة، من حيث الفكر والأسلوب والألفاظ والبناء الفني، وخلتني كأنني أستمع إلى أديب يستعرض قدراته البلاغية؛ ليثبت جدارته، ورأيت بعض الموضوعات بنيت على السجع المتكلف كما كان الحال في عصور ضعف الأدب وتخلفه!
فخطرت في بالي فكرة نفذتها في هذا الموقف، إذ شكرت المتعلمين على أدائهم الرائع، وطلبت منهم إغلاق كتبهم وإدخال دفاترهم، ووزعت على كل واحد ورقة بيضاء، وطلبت كتابة فقرة من ثلاثين كلمة عن الموضوع نفسه حب الوطن!
فماذا كانت النتيجة؟
كانت النتيجة غير سارّة!
بعض المتعلمين أخفقوا إخفاقا تاما في الكتابة! وظل طوال الوقت المخصص يحاول أن يخرج دفتره في خفاء لينقل منه!
وبعضهم كتب كلمات غير مترابطة وتغص بالأخطاء الإملائية، ولم يجتز كتابة الفقرة إلا عدد يمكن أن يُعدّ على أصابع اليد الواحدة! ولديه بعض الأخطاء الإملائية التي يتكرر الخطأ فيها؛ لأن المعلم لم ينبهه ولم يدربه على معالجة هذه الأخطاء!
ماالسبب في هذا الإخفاق؟
إنه يعود في المقام الأول إلى أن الطالب لم يمارس الكتابة في الحصة الدرسية تحت عين المعلم وبصره! إن الطالب لم يدرب تدريبا كافيا على مهارات الكتابة
إنه يعود إلى أن المتابعة ضعيفة فلا تسهم في تقدم المتعلم وتطوره
إنه يعود إلى أن المتعلم لم يتعود على ممارسة الكتابة في جو الحصة الدرسية، ومن هنا يصعب عليه استدعاء الأفكار، ويصعب عليه استحضار العبارات والأساليب!
إنه يعود إلى أن المتعلم لم يتعود الاعتماد على نفسه في الكتابة، فهناك من يقدم له الدعم والمساندة المبالغ فيهما! بل هناك من يكتب له من أفراد أسرته المحيطين به أو من الشبكة التي سهلت الحصول على الموضوعات المطلوبة وغيرها!
والمَخرج لا يكون إلا في العناية بهذه المهارة حيث يمارسها الطالب في جميع حصص اللغة العربية، فلا تخلو حصة من وقت مخصص للكتابة تعليقا أو تلخيصا أو إجابة لسؤال...، هذا بالإضافة إلى تخصيص حصة أسبوعيا للمهارة الكتابية، يمارس فيها المتعلم الكتابة.
والمَخرج كذلك في المتابعة الدقيقة لكل ما يكتبه المتعلم، وتمكين المتعلم من معرفة خطئه، وتصويبه.
والمَخرج أن تكون هناك خطة علاجية حقيقية لا شكلية تطبق على مدار العام وفق آليات محددة يعلمها المتعلم ويعرفها ولي الأمر؛ ليتمكن من المتابعة وتقديم التغذية الراجعة إلى المعلم، الذي يطور من أساليبه، وينوع في طرائقه؛ لإبعاد شبح الملل، ولطرد وحش الرتابة.