شوقي شاعر العاطفة الدينية

المقدمة
كان الشعر العربي على موعد مع القدر، ينتظر من يأخذ بيده، ويبعث فيه روحًا جديدة تبث فيه الحركة والحياة، وتعيد له الدماء في الأوصال، بعد حقبة من الجمود والسكون،

وجاء البارودي فرد الشعر إلى عصور القوة والازدهار، ثم تبعته كوكبة من الشعراء ، وكان شوقي هو نجم هذه الكوكبة، وهو أميرها الذي أجمعت على إمارته شعراء العربية ، وهذا لم يحدث لأحد إلا لشوقي الذي تميز شعره بعواطف جياشة ثلاث :
فكان صاحب العاطفة الوطنية التي هامت بحب الوطن مصر ، والتي دفعته إلى مثل قوله وهو بعيد في المنفى:
وطني لو شغلت بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي
وكان صاحب عاطفة قومية جعلته يشعر بهموم أمته العربية إحساسا حقيقيا ، ولعل قصيدته في نكبة دمشق خير مثال على ذلك، يقول في مطلعها:
سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ
وَمَعذِرَةُ اليَراعَةِ وَالقَوافي جَلالُ الرُزءِ عَن وَصفٍ يَدِقُّ
وكان صاحب عاطفة دينية ملأت جوانح نفسه إيمانا وحبا للرسول صلى الله عليه وسلم ، وانتماء إلى الإسلام جعله يجلي حقائقه الناصعة ويبطل أباطيل خصومه الواهية.
عناصر الموضوع
ولعل من المفيد أن نقسم الحديث عن العاطفة الدينية عند شوقي إلى عدة محاور:
المحور الأول : الخلافة الإسلامية
المحور الثاني : مدح الرسول صلى الله عليه وسلم
المحور الثالث : تجلية حقائق الإسلام

المحور الأول : الخلافة الإسلامية
فقد ارتبط شوقي بدولة الخلافة العثمانية ارتباطًا وثيقًا، وكانت مصر تابعة لها، فأكثر من مدح سلطانها عبد الحميد الثاني؛ داعيًا المسلمين إلى الالتفات حولها؛ لأنها الرابطة التي تربطهم وتشد من أزرهم، فيقول:
أما الخلافة فهي حائط بيتكم
حتى يبين الحشر عن أهواله

لا تسمعوا للمرجفين وجهلهم
فمصيبة الإسلام من جُهّاله

وشوقي هنا ليس متعصبا للعثمانيين تعصبا قائما على صلات الدم أو المصالح ، وإنما كان متعصبا لهم تعبدا لربه عز وجل، وإخلاصا لإيمانه، فقد كان السلطان العثماني خليفة المسلمين، ووجوده يكفل وحدة البلاد الإسلامية ويلم شتاتها، ويحفظها من الضياع والسقوط في براثن العدو الغربي المتربص بها الدوائر ، ولذلك رأينا شاعرنا يملأ الدنيا بكاء وحزنا وألما حين سقطت أدرنة، وربط بينها وبين الأندلس في بكائية حزينة :
يا أُختَ أَندَلُسٍ عَلَيكِ سَلامُ
نَزَلَ الهِلالُ عَنِ السَماءِ فَلَيتَه
جُرحانِ تَمضي الأُمَّتانِ عَلَيهِما
هَوَتِ الخِلافَةُ عَنكِ وَالإِسلامُ
طُوِيَت وَعَمَّ العالَمينَ ظَلامُ
هَذا يَسيلُ وَذاكَ لا يَلتامُ

حين سقطت الخلافة الإسلامية على يد جمعية الاتحاد والترقي بقيادة كمال أتاتورك سنة 1912، الذي أعلن تركيا دولة علمانية، وأخذ يلغي كل مظاهر الإسلام، فنعاها شوقي وهو خير ناع ، ورثاها وهو خير راث وناح ببكائية ثانية:
عادَت أَغاني العُرسِ رَجعَ نُواحِ
كُفِّنتِ في لَيلِ الزَفافِ بِثَوبِهِ
شُيِّعتِ مِن هَلَعٍ بِعَبرَةِ ضاحِكٍ
ضَجَّت عَلَيكِ مَآذِنٌ وَمَنابِرٌ
الهِندُ والِهَةٌ وَمِصرُ حَزينَةٌ
وَنُعيتِ بَينَ مَعالِمِ الأَفراحِ
وَدُفِنتِ عِندَ تَبَلُّجِ الإِصباحِ
في كُلِّ ناحِيَةٍ وَسَكرَةِ صاحِ
وَبَكَت عَلَيكَ مَمالِكٌ وَنَواحِ
تَبكي عَلَيكِ بِمَدمَعٍ سَحّاحِ

نلاحظ اختيار العاطفة الإسلامية الحزينة ألفاظا مليئة بمشاعر الأسى وبخاصة الألفاظ المتعلقة بالموت مثل :
" نعيت ، كفنت ، دفنت ، شيعت "
وهي ألفاظ تنقل القارئ إلى الجو المأساوي الذي عاشه الشاعر وكأنه يسير في جنازة يعرف صاحبها حق المعرفة، وشارك في تكفينه ودفنه بيديه، ثم نجد الألفاظ الباكية التي تدل على انتشار الحزن والألم والجزع في كل ركن من أركان الدولة الإسلامية المترامية الأطراف .
المحور الثاني : مدح الرسول صلى الله عليه وسلم
لشوقي في هذا المحور قصيدتان عظيمتان تفيضان حبا وإيمانا ويقينا، أما الأولى فهي الهمزية التي يروعك مطلعها الذي يبرز صورة الكون المفعم بالضياء والسعادة لميلاد النبي الهادي :
وُلِــدَ الهــدى فالكائنـات ضيــاء وفـم الـــزمان تبســم وثنــاء
ويعرض شوقي في هذه القصيدة لأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم التي بلغت قمة الكمال البشري فهو في الجود قد بلغ المدى والغاية ، وفي العفو يعفو عفو القادر الحكيم ، وفي الرحمة فهو أم أو أب فرحمته فياضة ورحمته أصيلة حقيقية، أما في الغضب والرضا فكل ذلك في الله وليس لأهواء شخصية أو أحقاد بشرية ، يقول شوقي :
فَإِذا سَخَوتَ بَلَغتَ بِالجودِ المَدى
وَإِذا عَفَوتَ فَقادِراً وَمُقَدَّراً
وَإِذا رَحِمتَ فَأَنتَ أُمٌّ أَو أَبٌ
وَإِذا غَضِبتَ فَإِنَّما هِيَ غَضبَةٌ
وَإِذا رَضيتَ فَذاكَ في مَرضاتِه
وَفَعَلتَ ما لا تَفعَلُ الأَنواءُ
لا يَستَهينُ بِعَفوِكَ الجُهَلاءُ
هَذانِ في الدُنيا هُما الرُحَماءُ
في الحَقِّ لا ضِغنٌ وَلا بَغضاءُ
وَرِضى الكَثيرِ تَحَلُّمٌ وَرِياءُ

والقصيدة الثانية هي " نهج البردة " وقد بلغت أبياتها مئة وتسعين بيتا يقول في مطلعها:
ريمٌ عَلى القاعِ بَينَ البانِ وَالعَلَمِ
أَحَلَّ سَفكَ دَمي في الأَشهُرِ الحُرُمِ

يعارض فيها بردة شرف الدين البوصيري المتوفى 696هـ وقد بلغت القصيدة مئة وثمانية وخمسين بيتا، يقول مطلعها :
أمِنْ تَذَكُّرِ جِيران بِذِي سَلَمٍ
مَزَجْتَ دَمْعاً جَرَى مِنْ مُقْلَةٍ بِدَمِ

ويسترسل شوقي بعاطفة متدفقة يعرض صفات النبي صلى الله عليه وسلم، ويعرض كذلك لمسيرة الدعوة حتى أتم الله نعمته وأكمل دينه، وبيّن أن مَلاك الصلاح يكمن في صلاح النفس وإصلاحها ووصف بيان النبي صلى الله عليه وسلم وبلاغته، ويصور ضلال البشرية دينا ودنيا قبل البعثة ، ويعرض لسيرة الصحابة الكرام الذين رباهم محمد صلى الله عليه وسلم ويختتم القصيدة بالصلاة على النبي وآله وصحبه والدعاء للمسلمين
فَاِلطُف لِأَجلِ رَسولِ العالَمينَ بِنا
يا رَبِّ أَحسَنتَ بَدءَ المُسلِمينَ بِهِ
وَلا تَزِد قَومَهُ خَسفاً وَلا تُسِمِ
فَتَمِّمِ الفَضلَ وَاِمنَح حُسنَ مُختَتَمِ

المحور الثالث: تجلية حقائق الإسلام :
ينعى على الأمة الإسلامية تخلفها عن الركب، معتقدا أن الأمة تملك مقومات النهضة لولا التخاذل والتكاسل فيشكو الشعوب الإسلامية في حسرة وحزن عميقين :
فَقُل لِرَسولِ اللَهِ يا خَيرَ مُرسَلٍ
شُعوبُكَ في شَرقِ البِلادِ وَغَربِها
بِأَيمانِهِم نورانِ ذِكرٌ وَسُنَّةٌ
أَبُثُّكَ ما تَدري مِنَ الحَسَراتِ
كَأَصحابِ كَهفٍ في عَميقِ سُباتِ
فَما بالُهُم في حالِكِ الظُلُماتِ

ويناقش القضية التي مازال يُروِّج لها أعداء الإسلام إلى اليوم ، حين يزعمون إن الإسلام انتشر بالسيف، وهو دين الدم والإرهاب، ويبين شوقي أن هذا الذي يردده الأعداء لا يعدو كونه جهلا وتضليلا ومجافاة للحقيقة ، وبين قانون مواجهة الشر بالشر، ورد المسيحيين إلى تاريخهم فقد كانوا ينالون الخسف والظلم ، ولم يحررها من كل ذلك إلا السيف يقول شوقي في بيان رائع وفهم عميق للتاريخ ، وحب للإسلام :
قالوا غَزَوتَ وَرُسلُ اللَهِ ما بُعِثوا
جَهلٌ وَتَضليلُ أَحلامٍ وَسَفسَطَةٌ
لَمّا أَتى لَكَ عَفواً كُلُّ ذي حَسَبٍ
وَالشَرُّ إِن تَلقَهُ بِالخَيرِ ضِقتَ بِهِ
سَلِ المَسيحِيَّةَ الغَرّاءَ كَم شَرِبَت
طَريدَةُ الشِركِ يُؤذيها وَيوسِعُها
لولا حماتُها هبُّوا لنُصرتِها
لِقَتلِ نَفسٍ وَلا جاؤوا لِسَفكِ دَمِ
فَتَحتَ بِالسَيفِ بَعدَ الفَتحِ بِالقَلَمِ
تَكَفَّلَ السَيفُ بِالجُهّالِ وَالعَمَمِ
ذَرعاً وَإِن تَلقَهُ بِالشَرِّ يَنحَسِمِ
بِالصابِ مِن شَهَواتِ الظالِمِ الغَلِمِ
في كُلِّ حينٍ قِتالاً ساطِعَ الحَدَمِ
بالسيف ماانتفعت بالرِّفق والرُّحَم

وقد كان شوقي يعبر عن الإسلام حين وضّح أن الإسلام دين التسامح والسلام والوئام وأن اختلاف الأديان إنما هو داعية للتقارب والتعارف والتفاهم يقول شوقي :
الديــــــن لله من شـــاء الإله هدى
ما كانَ مُختَلِفُ الأَديانِ داعِيَةً
لكل نفس هوىً في الدين داعيها
إِلى اِختِلافِ البَرايا أَو تَعاديها

الخاتمة
بعد هذه الجولة في شعر شوقي الديني نرى أن شاعرنا على وعي عميق بالمفاهيم الإسلامية وبخاصة مفهوم الجهاد، ولذلك انبرى يجلي حقيقة هذا المفهوم ، وكان على وعي كذلك بفهوم التسامح الذي ذكره ربنا تعالى في قوله :

وكان شوقي من المؤمنين بوحدة الأمة الإسلامية ، ويرى أنها لازمة لتجميع المسلمين تحت راية واحدة ، وصدر مدحه وذمه انطلاقا من هذا الإيمان. وكان شوقي محبا للرسول صلى الله عليه وسلم دارسا جيدا لسيرته العطرة ، وقد وظف ذلك في استلهام العبر والمواعظ .وصدر شعر شوقي الديني عن عاطفة صادقة فياضة بالإيمان ، مليئة بالحب ، تشارك الأمة الإسلامية في أفراحها وأتراحها . رحم الله شاعر الإسلام " شوقي " وجزاه عن الإسلام خير الجزاء

المصادر والمراجع
1- أحمد الحوفي : الإسلام في شعر شوقي – المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية – القاهرة 1972
2- أحمد شوقي: الشوقيات – تحقيق علي عبد المنعم عبد الحميد – الشركة المصرية العالمية للنشر القاهرة (2000م).
3- حلمي علي مرزوق : شوقي وقضايا العصر والحضارة – دار النهضة العربية – بيروت 1981
4- شوقي ضيف: شوقي شاعر العصر الحديث – دار المعارف – القاهرة (1975م).
5- المجمع الثقافي – الموسوعة الشعرية ، أبو ظبي – الإصدار الثاني سنة 200