المشكلات الصفية هل هي من صنع المعلم؟

يأتي الطلاب إلى المدرسة من بيئات اجتماعية متنوعة، ويحملون خصائص نفسية متعددة، ويتفاوتون في قدراتهم العقلية والجسدية والنفسية، بالإضافة إلى وجود فريق من العاملين بينهم أيضا تفاوت في القدرات أو قل بينهم فروق فردية، ومن ثم ينشأ في هذا المجتمع مجموعة من المشكلات، على التربوي أن يفطن لها في أول ولادتها وأن يبادر إلى معالجتها حين تلوح له بوادرها؛ فالوقاية خير من العلاج،

وإذا وقعت، عليه أن يتصرف بهدوء وبأسلوب تربوي، ويتجنب الانفعال والغضب.
إن المشكلات الصفية جد خطيرة؛ فإنها تقلق المعلم وتشعره بالإحباط وتدفعه للبحث عن مهنة أخرى، فهناك نسبة كبيرة من المعلمين يتركون التدريس في سنتهم الأولى وهي أيضا تجعل المتعلم في قلق وضيق وعدم رضا، فالمعلم في الصف لا يتمكن من إشباع حاجات طلابه ولا يتمكن الطلاب من صقل قدراتهم وإبراز إنجازاتهم.

وقد راقبت نفرا من المعلمين لحظة خروجهم من الصف عقب انتهاء الحصة، فوجدتهم فريقين: الأول يخرج وعلى وجهه علامات السعادة، ويبدو باسما بشوشا، والثاني يخرج عابسا بائسا، فسألت واحدا من الفريق الأول عن السبب، فأجاب بأن طلاب هذا الصف يتفاعلون معي تفاعلا بناء ينتج تعلما فعالا، جميع من في هذا الصف راغب في التعلم، ولا يوجد بينهم من يثير المشكلات.
يشعر فريق غير قليل من المعلمين بشيء من القلق بسبب المشكلات الصفية التي تزداد مع مر الأجيال، وحين يقارن بين جيله هو والجيل الذي يقف أمامه معلما يرى البون الشاسع في السلوك وفي الدافعية وفي الأهداف، وعليه أن يتعرف خصائص طلابه، ويعيش واقعهم؛ حتى يتمكن من التعامل التربوي الصحيح معهم.
لا يستطيع المعلم أن يؤدي رسالته، أو أن يحقق أهدافه التي خطط لها إذا كانت البيئة الصفية تعمها الفوضى، وإذا كان غير قادر على قيادة سلوك طلابه قيادة حكيمة بلا انفعال ومن غير
غضب، وبعيدا عن ألفاظ التهديد والوعيد.
إن مهارات قيادة السلوك الطلابي مهارات مكتسبة، تحتاج إلى التدريب والثقافة، وتحتاج إلى الصدق والعزيمة، وتحتاج إلى قدرات نفسية تجعل صاحبها واثقا من نفسه يعالج كل موقف بعقلانية.
أسباب المشكلات الصفية
تضع المدرسة منظومة من القيم الأخلاقية المقبولة، وتضع كذلك لائحة بسلوكات مرفوضة ترتب على فعلها عقوبات تربوية متدرجة، وعلى المعلم أن يكون مُلمًّا بتلك المنظومة، فيقبل ويرفض على أساسها، وعلى المعلم كذلك أن يبين هذه المنظومة لطلابه ليكونوا على بينة بالنتائج والعواقب، وأن يطبقها تطبيقا تربويا حازما يمنع العابثين من العبث، ويشجع المحسنين على الإحسان.
ولعل معرفة أسباب المشكلات الصفيه يرسم الطريق إلى الحل والعلاج، ومن هذه الأسباب:
(1) الملل والضجر
إن شعور الطالب بالضجر في الحصة الدرسية شعور مدمر، فلا ينبغي أن يستهين به المعلم، هذا الشعور قد يكون ناتجا عن محتوى المادة الدراسية التي لم يبذل فيها المعلم جهدا من أجل تيسيرها للطالب وجعلها مقبولة مستساغة، كما تكون طريقة المعلم التقليدية التي لا تراعي الفروق الفردية سببا كذلك، فيحس الطالب أن حاجاته لم تشبع، وأن ما يجري في الحصة لا يعنيه؛ فينصرف إلى العبث بمحتوى حقيبته، أو النظر من النافذة، أو الانشغال بأحاديث جانبيه مع زميله، أو يضع نفسه في عالم أحلام اليقظة؛ فينفصل عن الدرس بل عن المدرسة، بل يتحول هذا الطالب إلى مصدر للمشكلات الصفية.
والمعلم هو المسؤول عن تحقيق حصة درسية ممتعة، لا يسيطر فيها على النقاش والكلام والعمل، وإنما يمكن الطالب من ممارسة التعلم، ينوع في الأنشطة، يجدد في الطرائق، يتجنب الرتابة في ألفاظه وحركاته، ومن ثم يزداد حماس الطالب وتقوى دافعيته؛ فيكف عن إثارة الشغب.
(2) الإحباط والتوتر
قد يثير الطالب المشكلات الصفية نتيجة شعوره بالإحباط والتوتر أثناء الحصة، وأسباب هذا التوتر متعددة، ولكن نحن هنا بصدد ما يخص المعلم، فإن شعور الطالب بالتوتر والإحباط في الحصة الدرسية قد يرجع إلى الأسباب الآتية:
• كثرة القوانين والقيود التي يضعها المعلم
• السرعة في تناول الدرس، دون مراعاة للتفاوت بين الطلاب، فيعجز نفر منهم عن متابعته، ولا يجد نفر آخر وقتا كافيا للتفكير وترسيخ ما تعلموه، أوالبطء في التناول، فيجد بعض الطلاب أن لديهم وقتا من الفراغ لا يعملون فيه شيئا فيشغلونه باصطناع المشكلات.
• لجوء المعلم في مستهل الحصة إلى الإعلان بأن الدرس صعب شديد الصعوبه، وأنه غير مستعد للإعادة؛ وذلك بهدف ضبط الصف والحصول على انتباه الطلاب وهو في الحقيقة يعمل على سد منافذ تفكيرهم، ويوقعهم في الإحباط والتوتر.
• عبوس المعلم أو جديته الصارمة على مدار الموقف الصفي، فلا ابتسام ولا دعابة مرحة تجدد النشاط وتدخل على النفس الطمأنينة والراحة.
• مفاجأة المعلم للطالب بسؤال؛ فهذا السلوك من المعلم يشعر الطالب بالحرج.
• العشوائية في تناول الدرس، نتيجة لعدم التخطيط الجيد للحصة؛ فيشعر الطالب أن المعلم غير منظم، أو يتلاعب بعقله، فيتشوش تفكيره، وتتداخل المفاهيم مختلطة في فوضى وإرباك.
• إشغال المعلم الطالب بغير الدرس، فقد يرسله لإحضار معجم، والإتيان بقلم سبورة، أو البحث عن هاتفه الذي نساه أو... !! فيشعر الطالب أن معلمه لا يهتم بأمر تعلمه، ولا يستطيع الطالب في الوقت نفسه متابعة معلمه متابعة فاعلة؛ لأنه قد فاته جزء مهم من الحصة الدرسية.
(3) عدم تنظيم التفاعل الصفي
فحين يطرح المعلم سؤالا تتعالى الأصوات، كلٌّ يقول ( أنا ) رغبة في الفوز بالإجابة، فينتشر الضجيج، ويكثر الطلاب الواقفون خارج مقاعدهم ليراهم الأستاذ في هذا الجو من الفوضى تصدر عن الطالب سلوكات غير مرغوب فيها، ولا يتمكن المعلم من اكتشافها، فقد يوجه أحد الطلاب كلاما جارجا لزميله، بل قد يتطور الأمر إلى اشتباك بالأيدي، والمعلم لا يدري ما يجري، وقد شاهدت ولي أمر جاء مُبلِّغًا ما يتعرض له ابنه من ألفاظ غير لائقة، وجاء طلاب ثلاثة هم أطراف القضية، بدأت المشكلة بأن واحدا منهم قال لآخر إن فلانا سب أمك! وبعد هذه الإثارة التي صنعها طالب؛ ليوقع العداوة بين زميلين له، تطور الأمر إلى تبادل السباب، فتدخلت أسأل: متى حدثت هذه الأحداث؟ هل في الفسحة أو بين الحصص؟ فقالوا في أثناء الحصة!
(4) شعور الطالب بأن المعلم ليس عادلا
وذلك حين يخص بالأسئلة والنشاطات فئة محددة من الطلاب دون غيرهم، فيشعر الطلاب المنسيون أن المعلم لا يقدرهم حق قدرهم، ولا يشعر بوجودهم، فيلفتون الانتباه إليهم بإثارة المشكلات.
ويشعر الطالب أن المعلم غير عادل حين يفرق بين الطلاب في التعزيز فيكيل المديح لطالب أنجز إنجازا عاديا، ويبخل بالتعزيز أو يقدم تعزيزا باهتا لطالب أنجز إنجازا حقيقيا.
المعلم إذن مسؤول مسؤولية مباشرة عن عدد كبير من المشكلات الصفية، ويستطيع تجنبها حين يتجنب أسبابها التي عرضنا لها في السطور السابقة.