كنوز في ثقافتنا 1

لقد حفلت الثقافة العربية بكنوز تربوية غالية ، وبحث علماؤنا في مسائل عميقة تعد اليوم من أساسيات التربية المعاصرة ، ولكن موقفنا من هذا التراث العظيم موقف ينبغي أن يُراجع ،وينبغي كذلك أن نعتقد أننا حين ننظر في ثقافتنا فإننا لا ننظر إلى الوراء، وإنما ننظر في حقيقة الأمر إلى الأمام، ونحن العرب لن نصنع التقدم المنشود إذا تنكرنا لثقافتنا، أو خجلنا منها - وليس فيها إلا كل ما يدعو إلى الفخر والاعتزاز - والنهضة الحقيقية هي التي تقوم على أساسين لا ثالث لهما: الأساس الأول: الأصالة ،والأساس الثاني: المُعاصرَة؛ انطلاقا من المُحافظة على الهُويَّة، حتى لا تذوب الشخصية العربية في الآخر، وحينئذ تصير مسخا مُشوَّها لا قيمة له، وسعيا في سبيل العلم والحكمة في كل مكان من أرض الله الواسعة، فالحكم ةضالَّة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحقُّ الناس بها ، والتعبير بكلمة" ضالة " إنما يدل على الجد في الطلب والبحث المستمر ليل نهار، والتعبير بـ" أنَّى " يدل على اتساع مساحة البحث لتشمل المعمورة كلها، وتشمل جميع الأجناس والألوان والأطياف.

وبهذه الروح الوثّابة، وبهذه العقول المستنيرة، انطلق علماؤنا يبحثون عن العلم، بل وينتجون علما راسخا مفيدا تستفيد منه البشرية كلها ، فلم يعرفوا التعصب ولكنهم حافظوا على خصائص سخصياتهم؛ فلم يذوبوا ولم يقفوا أمام إنتاج الآخر مبهورين شاعرين بالصغار والدونيّة، بل اطلعوا على علوم الأمم الأخرى ووقفوا منها موقف الناقد الحصيف الذي يكتشف الأخطاء، ويطرح تعديلات قيمة، ويضيف ابتكارات وإبداعات، وذلك في كل ميدان من ميادين العلم، رحم الله علماءنا وجزاهم خير الجزاء.

ويأتي على رأس قائمة علماء التربية ابن جماعة بدر الدين ، الحموي المصري (639 هـ- 733 هـ)، صاحب كتاب " تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم " هذا الكتاب الذي تضمن دررا تربوية ، ونعرض في هذا السياق لمسألتين:

الأولى تتعلق بطبيعة الأسئلة التي ينبغي أن يوجهها المعلم إلى المتعلم ؛ انطلاقا من المقولة الشهيرة في ثقافتنا " حُسنُ السّؤال نِصفُ العلم" وأيضا يعرض للأسئلة التي ينبغي أن يتجنبها المعلم لما لها من مردود سيئ في فكر المتعلم وأخلاقه ، ومن ذلك ما ذهب إليه أنه لا ينبغي للشيخ أن يقول للطالب هل فهمت؟ فهذا السؤال ترفضه أيضا التربية الحديثة لأن الطالب - في راي ابن جماعة- سيضطر للكذب بسبب الحياء أو ضيق الوقت أو كراهية أن يتأخر زملاؤه بسببه ، وإنما ينبغي أن يسأل المعلم سؤالا أو أسئلة يتعرف من خلالها إلى درجة استيعاب طلابه.

الثانية تتعلق على ما تسميه التربية الحديثة التقويم البنائي أو التكويني، وهو تقويم لا بد منه لنجاح عمليتي التعليم والتعلم؛ لأن هذا التقويم يُقدِّم للمعلم تغذية راجعة تُمكِّنه من الوقوف على مدى تقدم طلابه، وتحدد له نقاط الضعف عند طلابه ، ومن ثمّ ينتقد طرائقه وأساليبه فيغير منها، من أجل أن يعالج نقاط الضعف تلك، فمن الخطأ أن يعيد المعلم شرحه بالأسلوب نفسه؛ لأن هذا الأسلوب لم يوافق خصائص بعض متعلميه، بل عليه أن يصطنع طرائق جديدة تلائم هؤلاء الطلاب الذين لم يتمكنوا من فهم الخبرة التعليمية الفهم الصحيح المطلوب، وهذا ما ذهب إليه ابن جماعة " إذا فرغ الشيخ من شرح درس فلا بأس بطرح مسائل تتعلق به على الطلبة يمتحن به فهمهم، فَمَن ظهر له استِحكام فهمِه له شكره،  ومن لم يفهمه تلطَّف في إعادته له"  

أرأيت إلى ابن جماعة يحسن توظيف نتائج التقويم؟ أرأيت إليه يستخدم التعزيز في مكانه المناسب؟ فالطالب المجيد يُشكر ، أما الطالب الذي أخفق في تحقيق الأهداف المخطط لها فماذا يفعل له؟ يتلطَّف في إعادة الدرس، ولعلك تلاحظ في استخدام الفعل" تلطف" دلالة على أن المعلم عليه أن يغير أسلوبه ويعدل من طريقته حتى يتمكن الطالب من تحقيق الأهداف.

  وإلى لقاء في المقال القادم مع ابن جماعة وفكره التربوي  إن شاء الله تعالى